|
|
|
|
|
31 \ 01 \ 2009
ذ/ احمد سالم ولد مولاي علي يكتب : بين الأشرار والأخيار
|
|
|
الجلافة، والعنجهية، والغطرسة، والفظاظة، هل هي كلمات مترادفات؟ أم أن لكل منها معناها المستقل عن الأخرى؟. هل لكل منها نفس الدلالة؟ أم أن دلالة كل منها ومعناها تربطهما علائق بالدلالات والمعاني الأخرى؟ فتتداخل، المؤكد أنها لا تتنافر وقد تكون العلائق بينها من باب المطابقة، أو الاحتواء، أو التقاطع، وأيا كان الأمر فإنها كلها صفات رذيلة، والاتصاف بها ينم عن أمور ويكشف السر عن حقيقة المتصف، ويحصره بين أربعة جدران، سقفها الكبر، وبلاطها العجب، وهما صفتان مذمومتان ومذموم صاحبهما ومريض قلبه، وإن قوي جسمه. فالجداران المشكلان لطول المحصر أحدهما الجهل المطبق والسير على عمه، والثاني ضآلة العقل وانعدام الحصافة والعجز عن التدبر بحكمة وأناة وترو في الأمور والانصراف عن وزنها والتغاضي عن العواقب والغض عن المآلات، أما الجداران العرضيان للمحصر، فأحدهما مقام من لبنات عدم الثقة بالنفس، والتظاهر بما يخيل إليه من سمات الواثقين بأنفسهم، فيحاول أن يخرق الأرض أو يبلغ الجبال طولا، وأنى له، فيرغب أن يهاب وينظر إليه نظرة طافية على السطح بالرضى، ويهرب في غطرسة من أية محاولة للغوص في أعماقه حيث القاع الصفصف وحيث لا عوج ولا أمت، فتنكشف السرائر والدواخل، فكل رغبته أن يمر سائر أو يعود أدراجه بعد أن رأى السراب فلا يخبره، لأنه إن جاءه لم يجده شيئا. أما جدار العرض الثاني فأساسه ضعف الشخصية، فلفرط ضعف شخصيته تتولد الجلافة والعنجهية فيصد عن حالة شخصيته بعصا طويلة فلا يترك من يدنو منه، وهو في ذلك يحسب أنه يحسن صنعا مما يزين له الشيطان، ويغطي على جهله، فيمتلئ عزة زائفة، والناس ينظرون إليه ضئيلا حقيرا لا يزن في نفوسهم جناح بعوضة. هذا النوع من البشر –أزاحه الله عن طريق المؤمنين– لا يركن إلى قوله ولا يطمئن إلى فعله، فهو خسيس التصور، سخيف العقل بغيض عند الناس مخوف كأحد الأعميين، مثله كمثل الحيوان الضاري المفترس، والوقاية منه في ما يتوقى به ذلك الحيوان الذي لا يسمع ولا يعقل، والصواب أن تتجنب طريقا هو فيها، فهو كالبهيمة، وإن من البهائم لما ينزجر إذا زجرته ويخشى إذا نهرته. إن من الموصوفين بهذه الأوصاف من إذا غني يجعل غناه عصا مسلطة على رقاب الناس، فيخيل إليه ألا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء، فإن أنت أكرمته أو عاملته -جهلا منك– معاملة الخيرين عد ذلك حقا له عليك تؤديه، ولا تجرؤ أن تعامله بغير ذلك وهو يكاثرك بماله فيكثرك ولسان حاله يقول {أنا أكثر منك مالا وأعز نفرا}، وإن ينل منه أحد ذرة أو يلجأ إليه في كربة سلقه {بألسنة حداد أشحة على الخير}. هؤلاء إن انتخبتهم رأوا فضلهم على الغير وإن وليتهم منصبا أو وظيفة أو قطاعا طغوا وبغوا وعاثوا في ما ولوا فسادا وحرموا الناس من حقوقهم ومصالحهم واستأثروا بالدسم دون غيرهم. فهؤلاء هم الأسافل الأراذل الأجلاف الأفظاظ، العنجهيون المتغطرسون الساقطون من أعين الناس، فذلك شأنهم، لا عقل يعقلهم عن التغرير بأنفسهم وبالناس، يقشعم أحدهم كالنسر على الكرسي أو يتأرك بأريكته وقد ملئ غبطة وسرورا ومباهاة ومراءاة، أو ينتصب واقفا ليريك هندامه الأجوف فيغتر به البعض اغترارا لا يلبث أن يتسرب بمجر معرفة ما بداخل الثوب، فهو كالخشبة الغليظة الملقاة على الأرض وقد حولت الأرضة لبها إلى تراب مهيل وبقيت القشور متماسكة دون أن تنهار، فإن أمسكت رأسها ورفعته ينصب اللب ترابا فينكسر القشر وينفتح، فإذا ما كان رفيعا في نظرك صار وضيعا عند الاختبار. وصدق من قال: وأقبح شيء أن يرى المرء نفسه رفيعا وهو عند العالمين وضيع فيا خسارة من تشبث بهم أو تشبه، أو بلغ من المهانة أن يكونوا له مثلا أعلى. فطوبى لمن سموا واتصفوا بالعلم، والمعرفة، والظرافة واللطافة، والخفة والحصافة، واللباقة، وبالرحمة،والرأفة والتواضع، والأخلاق الحسنة، والقيم الإنسانية، والمثل العليا، وهضم النفس، حتى يرضى الله ويرضى الناس، فيبدوا لهم طودا شامخا مرهوبا مهابا موقرا يوليه كل إجلالا و إعظاما، وينظرون إليه واثقا من نفسه قوي الشخصية هينا لينا شهما يخدم الناس ويؤدي الأمانة ويربأ عن السوء و مظانه، مستقيما مهديا هاديا، يرغب في الخير وفعله، ويكره الشر ويتنكبه، يؤدي ما عليه من حقوق وواجبات، ولا يهمل القوي بحق ضعيف يعطي الحاجات لذوي الحاجات، وإن ولي للمجتمع مرفقا فتح الباب وأدى الخدمات، وأزاح الحجاب ونزل درجات ليلقى محقا، ويمنع محقا، كالقضيب المغلف بالقطن والحرير الناعم الملمس، صلب عند المخبر كالتمرة في الحلاوة وكالنواة في القساوة، فذالكم هو الإنسان المحلى بحلل العقل، يقرأ الكون من حوله كتابا مبينا، فلا يتصرف بطيش ولا يدبر إلا بحكمة، تنزله الوظيفة والمناصب درجات يسموا بها نحو العلا، فهو الواثق من نفسه، لا يغيظه أن يذكر بسوء مزيحا الكلمة السيئة إلى غيره، فيعامل من صدر منه سوء باللتي هي أحسن ويحسن إلى من أساء إليه متغاضيا عن كلمة السوء كأنه لم يسمعها أو كأن المقصود بها غيره، كاظما غيظه عافيا عن الناس، سميعا بصيرا بكل خير ومثيبا عليه، أصم وأعمى عن كل شر بحزم وتوق وحيطة، ويؤول الشر زلة لم تقصد ولم تتعمد، والأيام كفيلة بالتنديم فإن يك صادقا في ذكر غيره بسوء، فكلمة حق أريد بها باطل، {وإن يك كاذبا فعليه كذبه}، و لك مدخرك ورصيدك، فهذا هو التواضع وذاك مقتضاه، وصدق من قال: وأحسن شيء أن يرى المرء نفسه وضيعا وهو عند العالمين رفيع قارن وعلق وصف كلا بما يناسبه، (ولا تنس نصيبك من الدنيا وأحسن كما أحسن الله إليك ولا تبغ الفساد في الأرض}.
|
|
|
|
111111111111111111111111111111111111111111111111111111111111111 |
|
|